النووي
9
المجموع
وهذا الخبر يدل دلالة يعجز القلم عن استقصاء ما توحى به ، من بيان ما كانت الصحابة عليه من الحاجة وشدة الفاقة والصبر على الجوع وبذل الوسع وإتعاب النفس في تحصيل القوام من العيش للتعفف عن السؤال وتحمل المتن ، وأن تأجير النفس لا يعد دناءة ، وإن كان المستأجر غير شريف أو كافرا والأجير من أشراف الناس وعظمائهم ، وقد أورده صاحب المنتقى ليستدل به على جواز الإجارة معادة يعنى أن يفعل الأجير عددا معلوما من العمل بعدد معلوم من الأجرة . ( فرع ) الإجارة عوض في مقابلة المنفعة كالثمن في مقابلة المبيع وحكمه كحكمه في جوازه معينا وفى الذمة ، قال الشافعي : فالإجارات صنف من البيوع لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه اه . ومن هذا اخذ الفقهاء انه عقد لازم لا يجوز فسخه إلا بعيب كالبيع ، فإن كان العيب موجودا في الشئ المؤاجر كالدار إذا خربت والدابة إذا مرضت فللمستأجر أن يفسخ دون المؤجر كما لو وجد بالمبيع عيب كان للمشترى أن يفسخ دون البائع ، وإن كان العيب موجودا في الأجرة فإن كانت في الذمة أبدل المعيب بغيره ولا خيار ، وإن كانت معيبة فللمؤجر ان يفسخ دون المستأجر كما يفسخ البائع بوجود العيب في الثمن المعين دون المشترى : ولا يجوز فسخ الإجارة بعذر يطرأ إذا لم يطرأ في المعقود عليه عيب ، ومن هنا كان لأصحابنا وجهان في انعقاده بلفظ البيع ، ونظرا لان عقد الإجارة كعقد النكاح يؤخذ جانب البيع فيه بمفهوم المعاوضة وليس بمنطوق التعاقد لذلك قالوا : إنه يخالف البيع في الاسم والحكم فلم ينعقد بلفظه كالنكاح ، والوجه الثاني : ينعقد بلفظ البيع لأنه تمليك يتقسط العوض فيه على الباذل كالبيع سواء بسواء . إذا ثبت هذا : فهل المعقود عليه العين لأنها الموجودة فيقال : أجرتك داري أم أن العقد يتعلق بالمنفعة دون الأعيان ، فيقال : أجرتك داري أو منفعة داري بكذا ، أو بعتك منفعتها ، وهذا الأخير هو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي ، ويصح العقد على منفعة مضمونه في الذمة غير مضافة إلى عين كرجل استأجر من رجل عملا مضمونا في ذمته ، وإذا كان كذلك فلابد أن تكون